يحيى بن معاذ الرازي
55
جواهر التصوف
أمّته ، وليس على شخصه الكريم كما هو معلوم . * ولو شاء شيخنا لأضاف إلى أسباب التخويف ما جاء في كتاب اللّه من آيات الإنذار والترهيب ، وكذلك ما جاء في الأخبار المروية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عذاب القبر والنار ، وكذلك لأشار إلى وسائل التخويف العملي التي مارسها بعض الصحابة والصالحين ؛ فقد روى عن عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه تعالى عنه : أنه كان يجمع قطع النقود - غير الصالحة للتداول - من بيت المال ، ويوقد تحتها في كوز حتى تذوب ، ثم يخرج إلى الناس ويصبّ ذلك على الأرض أمامهم ، وهو يقول لهم : هذا هو المهل ؛ مشيرا إلى الآية الكريمة : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً [ الكهف : 29 ] . ومن كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل ما ملخّصه أن جماعة من الفسقة أغروا ساقطة أن تغوى عابدا في صومعة ؛ فطرقت بابه في ليلة شتاء مظلمة مطيرة ، واستعطفته أن يأويها إلى الصباح ، وأمام إلحاحها أدخلها ، وقام يصلى فاضّجعت على الفراش تتقلب لتريه مفاتنها ، فدعته نفسه إليها ؛ فقال يحدث نفسه : لا واللّه حتى أنظر كيف يكون صبرك على النار ؛ ووضع إصبعه في لهب المصباح حتى احترقت ، وعاد إلى الصلاة ، ودعته نفسه ثانيا فتقدم إلى المصباح بإصبعه الثانية والمرأة تنظر ، وتكرر هذا حتى احترقت أصابعه كلها فصعقت المرأة مما ترى وماتت . وفي الصباح جاء الفسقة فوجدوها ميتة فقالوا : يا مرائي وقعت عليها ثم قتلتها حتى لا تفضحك ، وجرّوه إلي الملك فحكم بقتله ، فاستأذن أن يصلى ركعتين ، فصلى ودعا فقال : أي ربّ ، أعلم أنك لم تكن تؤاخذني بما لم أكن أفعل ، ولكن أسألك أن لا أكون عارا على القرّاء بعدى ، فرد اللّه عزّ وجل الروح إليها وقالت : انظروا إلى يده ، وعادت ميتة . * * * 69 - مسكين ابن آدم ؛ لو يخاف النار كما يخاف الفقر : دخل الجنة . [ الرسالة : 101 ] . * الفقر الشبح الذي يرعب البشر جميعا ، فلولاه ما احتمل الناس مشقة الأعمال لتحصيل المال ، ولولاه ما تنوعت الحرف والمهن ، وهو الباعث وراء تدبير الفقير ، وحرص الغنى ، وقد يصل الخوف منه ببعض الأغنياء إلى العيش على الكفاف ، مع أنه لو افتقر ما عاش دون المستوى الذي رسمه لحياته خوف الفقر ، وقالوا فيه : يعيش عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء ، ويقول الشاعر : أمن خوف فقر تعجلته * وأخّرت إنفاق ما تجمع فصرت الفقير وأنت الغنى * وهل كنت تعدو الذي تصنع